أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
154
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 5 إلى 6 ] قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) قوله : لا تَقْصُصْ . قرأ العامة بفك الصادين وهي لغة أهل الحجاز ، وقرأ زيد بن علي بصاد واحدة مشددة والإدغام لغة تميم ، وقد تقدم تحقيق في هذا في المائدة عند قوله : مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ « 1 » . والرؤيا : مصدر كالبقيا ، وقال الزمخشري : « الرؤيا بمعنى الرؤية : إلا أنها مختصة بما كان في النوم دون اليقظة ، فرّق بينهما بحرفي التأنيث كما قيل : « القربة والقربى » . وقرأ العامة « الرّؤيا » بهمزة من غير إمالة ، وقرأها الكسائي في رواية الدوري عنه بالإمالة ، وأن « الرّؤيا » و « رؤياي » الآتيتان في هذه السورة « 2 » ، فأمالهما الكسائي من غير خلاف في المشهور ، وأبو عمرو يبدل هذه الهمزة واوا في طريق السوسي ، وقال الزمخشري : « وسمع الكسائي : « ريّاك ، وريّاك » بالإدغام ، وضم الراء وكسرها ، وهي ضعيفة ، لأن الواو في تقدير الهمزة لم يقو إدغامها ، كما لم يقو إدغام « اتّزر من الإزار ، واتّجر من الأجر » . بمعنى : أن العارض لا يعتد به ، وهذا هو الغالب ، وقد اعتد الفراء بالعارض في مواضع ستقف على أشياء منها إن شاء اللّه تعالى ، نحو : « ريّا » في قوله : أَثاثاً وَرِءْياً عند حمزة ، و عاداً الْأُولى ، وأما كسر « ريّاك » فلئلا يؤدي إلى ياء ساكنة بعد ضمة ، وأما الضم فهو الأصل ، والياء قد استهلكت بالإدغام . قوله : فَيَكِيدُوا منصوب على جواب النهي ، وهو في تقدير شرط وجزاء ، ولذلك قدره الزمخشري بقوله : « إن قصصتها عليهم كادوك » و « كَيْداً » فيه وجهان : أحدهما - وهو الظاهر - : أنه مصدر مؤكد ، وعلى هذا ففي اللام في قوله « لَكَ » خمسة أوجه : أحدها : أن يكون يكيد ضمن معنى ما يتعدى باللام ، لأنه في الأصل متعد بنفسه ، قال : « فكيدوني جميعا » ، والتقدير : فيحتالوا لك بالكيد . قال الزمخشري - مقدرا لهذا الوجه - : « فإنّ قلت : هلّا قيل : فيكيدوك ، كما قيل : فكيدوني ؟ قلت : ضمن معنى فعل يتعدى ب « اللام » ليفيد معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمن فيكون آكد ، وأبلغ في التخويف ، وذلك نحو : فيحتالوا لك ، ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر » . الوجه الثاني : - من أوجه اللام : - أن تكون معدية ، ويكون هذا الفعل مما يتعدى بحرف الجر تارة وبنفسه أخرى ، ك « نصح وشكر » ، كذا قاله الشيخ « 3 » . وفيه نظر ، لأن ذلك باب لا ينقاس ، إنما يقتصر فيه على ما ذكره النحاة ، ولم يذكروا منه « كاد » . الثالث : أن اللام زائدة في المفعول به ، كزيادتها في قوله : « رَدِفَ لَكُمْ » « 4 » ، قاله أبو البقاء ؛ وهو ضعيف ، لأن اللام لا تزاد إلا بأحد شرطين : تقديم المعمول أو كون العامل فرعا . الرابع : أن تكون اللام للعلة ، أي : فكيدوا من أجلك ، وعلى هذا فالمفعول محذوف اقتصارا أو اختصارا .
--> ( 1 ) آية : رقم ( 54 ) . ( 2 ) الآية : رقم ( 43 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 280 ) . ( 4 ) سورة النمل ، آية : ( 72 ) .